عربي  | English  :اللغة
عربي  | English  :اللغة
الأسواق العربية
Tuesday July 6 , 2010 07:52 GMT المقالات المتنوعة
دراسة حول تأثير أزمة اليونان على أكبر الاقتصاديات العربية وحلم الاتحاد النقدي الخليجي

بعد أن اقترب الاقتصاد العالمي من خط التعافي بعد رحلة عصيبة دخلت فيها أكبر الاقتصاديات العالمية في الركود وتأثر بها الاقتصاد العالمي ككل بلا استثناء والتي كانت بسبب انفجار أزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحدة، هبت علينا مؤخرا أزمة الديون السيادية في اليونان بعد أن عجزت الحكومة عن تمويل العجز في الميزانية لتنفجر الشرارة الأولى في منطقة اليورو لتظهر أن العديد من الدول الأخرى لديها نفس المشكلة وتعاني من ضعف الإنتاجية وارتفاع في معدلات البطالة والمديونية، في الوقت الذي سعى الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي لإنقاذ هذه الدول حتى لا ينهار الاتحاد الأوروبي بأكمله بسبب تفاقم هذه الديون وانهيار اليورو أمام العملات الرئيسية، إلا أن هذا السعي لم يتعدى سوى كونه حلا هامشيا لم يتطرق إلى المشكلة من جذورها حيث اقتصرت خطة الإنقاذ على سد الفجوة التمويلية الحالية من خلال ضخ المزيد من السيولة في هذه الدول وما يترتب عليها من آثار سيئة كارتفاع معدلات التضخم، في الوقت الذي تسربت فيه آثار الأزمة كالهشيم في النار إلى اقتصاديات الدول الأخرى ومنها اقتصاديات الدول العربية بعد خيم إعصار الخوف والقلق على عقول المستثمرين من أن هذه الأزمة سوف تودي بالبقية الباقية من الاقتصاد العالمي وقد شهدنا آثار هذه المخاوف على أداء الأسواق العربية منذ نشأة الأزمة حيث شهدت انخفاضا حادا في الوقت الذي شهدت السيولة في هذه الأسواق انحدارا شديدا نتيجة عزوف المستثمرين عن الاستثمار في الأسهم والبحث عن استثمارات بديلة تكون أقل خطورة، في الوقت الذي ترتبط اقتصاديات الدول العربية بعلاقات تجارية وصناعية مع دول الاتحاد الأوروبي ومدى تأثر الصادرات والواردات بين الطرفين إلى جانب تأثر أسعار النفط في الدول العربية والتي تعتمد ميزانيات بعض الاقتصاديات العربية بشكل أساسي على عائدات النفط والسياحة، ومن خلال هذه الدراسة القصيرة سوف نلقي الضوء على هذه النقاط بهدف إيضاح الأمور.

الأزمة العالمية هي أساس مشكلة اليونان

قبل أن نتطرق إلى تأثير أزمة اليونان على الاقتصاد العربي نود أن نلفت الانتباه أولا كيف حدثت هذه الأزمة، فبداية نشأت أزمة الديون في اليونان مع بداية التسعينات وبدأ أثرها يظهر على الشعب اليوناني في تراجع الإنتاجية وانهيار البنية التحتية لعمليات الإنتاج والاتجاه إلى الاستيراد لسد الطلب، إلى جانب تراجع قطاع الصناعات التحويلية التقليدية ومع ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع التضخم أيضا اتجه أفراد القطاع العائلي في اليونان إلى الاقتراض من البنوك للحفاظ على مستوى المعيشة والذي كان من المستحيل أن يظل في الوضع الاقتصادي المتدهور، ومع اندلاع أزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحد الأمريكية والتي راح ضحيتها أكبر البنوك الاستثمارية والمؤسسات المالية في العالم، فقد وصل إجمالي ديون اليونان إلى 300 مليار يورو تقريبا، في الوقت الذي لم تجدي فيه سياسة التقشف التي اتبعتها الحكومة نفعا إلا أنها أضرت بالمواطن اليوناني ذو الدخل القليل في الوقت الذي ظل الرأسماليين والفاسدين والمختلسين كما هم.

بذخ وإهمال الحكومة اليونانية

كان للإنفاق الحكومي ببذخ شديد أكبر العوامل في تعقد المشكلة وارتفاع الديون فحينما ننظر مثلا إلى تكلفة استضافة الألعاب اليونانية 2004 نجد أنها بلغت أعلى من أي تكلفة ألعاب أوليمبية من قبل، ولكن لم تعبأ الحكومة بكل هذه الديون سوى أنها سوف تحمل أفراد القطاع العائلي البسطاء هذه التكلفة على مدى 15 عام المقبلة، أضف إلى ذلك بذخ وترف الحكومة والإنفاق الحكومي المتزايد على أشياء لا تفيد الاقتصادي المحلي الأمر الذي أدى إلى ارتفاع العجز في الميزانية العامة لتتجاوز بشكل كبير الناتج الإجمالي، وعلى صعيد آخر وما يوضح فساد الحكومة وعدم مبالاتها بالاقتصاد أنها شجعت نقل مصانع البلاد إلى دول البلقان بحجة قلة التكاليف وانخفاض أسعار العمالة هناك.

سيناريو خطة الإنقاذ

مع نشوب الأزمة وارتفاع مدى خطورتها وتأثيرها على الاتحاد الأوروبي ككل كان على دول الاتحاد أن تتكاتف مع بعضها البعض ومع صندوق النقد الدولي لإنقاذ اليونان من خلال برنامج إنقاذ مالي، وقد تضمن هذا البرنامج خطة إنقاذ بقيمة 750 مليار يورو تشمل آلية لتحقيق الاستقرار المالي ومحاربة المضاربة على العملات، وقد قامت المفوضية الأوروبية برصد مبلغ 60 مليار يورو، كما رصد الاتحاد الأوروبي مبلغ 440 مليار يورو، وساهم صندوق النقد الدولي بمبلغ 250 مليار يورو.

وتنص هذه الخطة على حصول اليونان على 140 مليار يورو كمساعدة مالية على مدار ثلاثة سنوات، وذلك حتى تستطيع تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بهدف تقليص العجز في الموازنة ليصل إلى 3% من 14% حاليا.

هذا وقد أفصحت الحكومة اليونانية أنها سوف تقوم بممارسة العديد من السياسات الاقتصادية التقشفية إلى جانب خطة إنقاذ الاتحاد وصندوق النقد الدولي وتتلخص في.

  1. وقف عمليات التعيين للعمال والموظفين في القطاع الحكومي.
  2. تجميد أجور الموظفين والعمال لمدة ثلاثة سنوات.
  3. زيادة نسبة ضريبة القيمة المضافة من 21% إلى 23%.
  4. تنفيذ اقتطاعات من الأجور والمعاشات.
  5. وقف صرف أي مكافآت على الرواتب.
  6. رفع سن التقاعد من 62 سنة إلى 67 سنة.

ولكن لتنفيذ هذه الخطة التقشفية فإنه على الحكومة اليونانية السيطرة أولا على الإضرابات السياسية والعمالية الناجمة عن رفض الشعب اليونان لهذه السياسة القاتلة، وفي حالة فشل اليونان تنفيذ هذه الخطة أو أن هذه الخطة لم تؤتي بنتائج إيجابية فإن إعلان إفلاس اليونان سيكون أمرا حتميا لتظهر التداعيات السلبية على الاقتصادي العالمي.

ماذا سيحدث للاتحاد الأوروبي في حالة إفلاس اليونان؟

ينقسم التأثير في حالة إفلاس اليونان إلى ثلاثة أقسام.

أولا: التأثير على البنوك.

ثانيا: التأثير على باقي دول الاتحاد.

ثالثا: التأثير على اليورو.

  • التأثير على البنوك الأوروبية 

يبلغ إجمالي ديون اليونان للبنوك اليونانية حوالي 38.4 مليار يورو، وباقي الديون تحتفظ بها المؤسسات الأوروبية منها 60% لدى البنوك الأوروبية الرئيسية حيث يبلغ نصيب البنوك الفرنسية من الديون 54 مليار يورو ويبلغ نصيب البنوك الألمانية 30 مليار يورو، وفي حالة إفلاس اليونان فإن الاتحاد الأوروبي يكون قد وقع في ورطة كبيرة، فعليه إما إنقاذ الحكومة اليونانية أو إنقاذ البنوك.

  • التأثير على باقي دول الاتحاد 

في حالة إعلان إفلاس اليونان فإن هذه الديون سوف تضاف إلى إيطاليا وأسبانيا والبرتغال وإيرلندا المثقلين بالديون أيضا حيث يبلغ إجمالي ديونهم حوالي 1.2 تريليون يورو تحتفظ بها البنوك الأوروبية منها 225 مليار يورو لدى البنوك الألمانية و 210 مليار يورو للبنوك الفرنسية.

  • التأثير على اليورو 

لا شك أنه مع انهيار اليونان وتتابع السلسلة لتطال إيطاليا وفرنسا وألمانيا فإن العديد من الدول الأوروبية سوف تفكر في الخروج من هذه العملة، لتنهار العملة التي تعتبر نفسها بديلا احتياطيا للدولار.

ما هي التداعيات على الاقتصاد العالمي في حالة إفلاس اليونان ؟

  1. تراجع حجم التجارة العالمية وانخفاض التمويل المتاح لها، بما سيضر بالصادرات على المستوى العالمي، وسوف ينعكس ذلك بالتالي على معدلات نمو الاقتصاد العالمي.
  2. انتشار سياسات التقشف الاقتصادي في معظم دول العالم، وهو ما يعني تراجع الإنفاق العام.
  3. ارتفاع معدلات البطالة وتراجع حجم الطلب على جميع السلع والخدمات، والذي سوف يترتب عليه إغلاق العديد من الشركات والمصانع.
  4. صعوبة حصول الحكومات والقطاع الخاص على التمويل من الأسواق الدولية والأسواق المحلية، لارتفاع أسعار الفائدة وتحفظ البنوك في تقديم التمويل.
  5. تراجع الطلب على النفط ومن ثم انخفاض أسعاره وهو ما سوف يضر باقتصاديات الدول المصدرة النفط مثل دول مجلس التعاون الخليجي، حيث سينجم عن انخفاض أسعار النفط تراجع الإيرادات وزيادة العجز في الموازنة العامة بما يؤدي إلى تراجع معدلات النمو في هذه الدول.
  6. زيادة الإضطرابات في أسواق المال العالمية.
  7. انخفاض اليورو أمام الدولار بما سيؤدي إلى انخفاض احتياطات دول العالم من اليورو، الأمر الذي من الممكن أن يؤدي إلى اختفاء اليورو.
  8. زيادة الطلب على الذهب وارتفاعا أسعاره.

بعد أن تطرقنا إلى مشكلة أزمة اليونان نلقي الضوء الآن إلى على أوضاع أكبر الاقتصاديات العربية وهي الاقتصاد السعودية والاقتصاد الإماراتي والاقتصادي الكويتي والاقتصاد المصري في ظل هذه الأزمة، ونود أن نشير هنا إلى أن الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعة والزراعية للدول العربية قد أعلن تقريره خلال شهر مايو المنصرم موضحا فيه أنه لا توجد أي تأثيرات مباشرة على أداء الاقتصاد العربي ولكن من الممكن أن يحدث تأثير غير مباشر وذلك لانخفاض حجم التبادل التجاري بين اليونان والدول العربي والذي يقدر بحوالي 2 مليار دولار للاستيراد من جانب الدول العربية 6 مليار دولار للصادرات إلى اليونان، ولكن أبدى التقرير بعض المخاوف من أن تفاقم الأزمة بشكل أكبر وعجز منطقة اليورو عن حلها قد يؤدي ذلك إلى تراجع أسعار النفط الأمر الذي ينتج عنه انخفاضا الإيرادات والتي كما ذكرنا قبل ذلك أن اقتصاديات دول مجلس التعاون على الخصوص تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط.

أما عن التأثير الحالي من وجهة نظر الاتحاد العام للغرف العربية فقد تمثل في تراجع الصادرات العربية إلى اليونان خصوصا قطاع البتروكيماويات إلى جانب انخفاض قيم الاحتياطات المالية للدول التي تربط عملتها المحلية باليورو، في الوقت الذي توقع فيه الاتحاد العام للغرف أن تشهد التجارة البينية للدول العربية ارتفاعا بنسبة 30% لتصل إلى 100 مليار دولار خلال العام الحالي.

الاقتصاد السعودي

لقد عم التضارب بشكل كبير أسواق المال في السعودية بسبب اختلاف أراء الخبراء حول مدى تأثير أزمة اليونان على الاقتصاد وسوق المال فمنهم من يرى أنه ليس هناك أي تأثير على أداء السوق وآخرين يرون أن هناك تأثير ولكن بشكل غير مباشر، وبعض آخر يتهم المضاربين في السوق بالتلاعب في أداء المؤشر من حيث إسقاط الأزمات العالمية على السوق بشكل مبالغ فيه خصوصا أزمة اليونان التي نحن بصددها الآن وذلك للاستفادة من النزول الحاد في الأسعار وتحقيق أرباح عالية بعدما يقوموا بنشر الفزع والخوف في عقول صغار المستثمرين ليعم السوق حالة نفسية سيئة فيتجهوا إلى عمليات البيع بشكل هستيري ومن ثم يستغل الهوامير الفرصة لشراء الأسهم بأسعار متدنية، وأردت أن أشير أن كل ما أردته هنا هو إلقاء الضوء بشيء من التفصيل على أراء الخبراء والاقتصاديين عن حالة الاقتصاد في المملكة ونبدأ من هنا:

في محاضرة نظمتها لجنة الأوراق المالية بغرفة الرياض أشار كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي الدكتور جون سفاكيانكيس أنه ليس هناك أي تأثير لأزمة اليونان على الاقتصاد السعودي معربا بأن الاقتصاد استطاع أن يحقق معدلات نمو إيجابية والتي عكست الثقة والمتانة فيه، في الوقت الذي استطاع الاقتصاد السعودي أن يجذب استثمارات تصل قيمتها إلى العديد من بلايين الدولارات خلال الفترة الماضية الأمر الذي يزيد من قوة الاقتصاد وينأى به عن المخاطر، ولكنه أشار إلى أنه يجب أن يكون هناك تحسبات من تأثيرات غير مباشرة خصوصا قطاع البنوك الذي يقوم بعمليات الإقراض في الوقت الذي يوجد تباطوء في السداد مما يعني وجود بعض المخاطرة في هذا القطاع، وقد أشار الدكتور جون مرة أخرى إلى أن أزمة اليونان تعتبر مشابهة لأزمة ديون دبي وأنه من الممكن حلها كما فعلت مجموعة دبي.

أما عن التأثير على الأسهم فقد أشار جون إلى أنه لا يمكن لأسواق الأسهم أن تتجنب تبعات تراجع الأسعار، وذلك ليس بسبب هروب المستثمرين الأجانب وإنما بسبب الدور الذي يلعبه الإدراك في تحديد تصرفات صغار المستثمرين، في حين نفى أن يكون هناك احتمالات أن يتأثر النظام المصرفي السعودي نتيجة هذه الأزمة، أو أن تتأثر عمليات التبادل التجاري بين المملكة وبين دول أوروبا موضحا بأن حصة  التبادل التجاري بين المملكة وبين اليونان تصل 0.3% فقط من الإجمالي الأوروبي في حين تعتبر المملكة العربية السعودية أسبانيا وإيطاليا أكثر الدول أهمية بالنسبة لها، هذا وقد بلغ حجم واردات المملكة من أوروبا خلال العام الماضي حوالي ثلث إجمالي الواردات.

شارت يوضح أداء مؤشر السوق السعودي مرورا بالأزمات العالمية والمحلية

 

 رأي مخالف

ومن جانب آخر فقد أشار اقتصاديين في المملكة إلى أن انخفاض اليورو بسبب الأزمة قد أثر بشكل إيجابي على قطاع التجارة وعلى أسعار السلع المستوردة من منطقة اليورو ومن أهم السلع المستفيدة من تراجع اليورو هي السيارات والمعدات والأدوية والملابس، في الوقت الذي زادت فيه القوة الشرائية للريال بعد انخفاض تكلفة الاستيراد، ولكنهم علقوا بأنه في حالة تفاقم الأزمة إلى دول أخرى مثل أسبانيا والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا سوف تشهد السعودية تأثرا كبيرا نتيجة الانخفاض الذي سوف يشهده سعر برميل النفط الأمر الذي سوف يؤثر على إيرادات النفط والنفقات الحكومية وبالتبعية سوف تتأثر أسواق الأسهم بشكل غير مباشر نتيجة تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد.

الواقع

لاحظنا أيها السادة تضارب الأراء والأقاويل حول تأثير الأزمة على السوق السعودي ولكن ما نريد أن نقوله هنا هو أن هناك بالفعل تأثير على أسواق الأسهم ولكن بشكل غير مباشر، ولكن الشبح الناجم عن هذه الأزمة ألا وهو الخوف والحالة النفسية السيئة التي تنتاب المستثمرين عند اندلاع أي أزمة في أي دولة في العالم دون أن يوجد هناك أي علاقة كان هو المحرك الرئيسي لأسواق الأسهم خلال الفترة المؤخرة، وقد رأينا الخسائر الكبيرة التي مني بها السوق السعودي خلال شهر مايو والتي بلغت 11% بسبب مخاوف المستثمرين وتذبذب أسعار النفط بالإضافة إلى هبوط سهم سابك قائد قطاع البتروكيماويات.

أما عن التأثير على الاقتصاد السعودي: فكما سبق وأن قلنا بأن الاقتصاد السعودي استعاد نشاطه ونموه في الفترة المؤخرة ويشهد حاليا أداء إيجابيا كما أنه استطاع أن يجذب استثمارات كبيرة بأكثر من العام الماضي، الأمر الذي ساعد الحكومة على الإنفاق في البنية التحتية مما يدعم الاقتصاد على النمو بشكل أسرع، ولكن التأثير المباشر على الاقتصاد يكمن في تقلب أسعار النفط التي شهدت تذبذبا كبيرا خلال الأسابيع الماضية بسبب المخاوف من أن تطال أزمة اليونان الاقتصاد الحقيقي لدول الاتحاد الأوروبي مما ينعكس على الطلب على النفط وبالتالي تتراجع الأسعار فتنخفض عائدات النفط التي تعتمد عليها موازنة الحكومة بشكل كبير وقد رأينا العام الماضي تسجيل الدول المصدرة للنفط عجزا كبيرا في ميزانياتها بسبب انخفاض أسعار النفط والتي تراجعت إلى مستويات 30 دولار للبرميل.

ننتقل إلى تأثير الأزمة على سعر صرف الريال السعودي: فمن الواضح أن انخفاض اليورو يصب في مصلحة الاقتصاد السعودي وذلك لأن الريال مرتبط بالدولار كما أن غالبية الأصول المتعلقة باحتياطات الدولة أو مؤسسة النقد مقومة بالدولار، ففي حالة انخفاض اليورو سوف يرتفع الطلب على الدولار وفي حالة ارتفاع أسعار الدولار سوف ترتفع عائدات النفط المقوم بالدولار ومن المعلوم بأن النفط يعد المصدر الأول لميزانية الدولة، لكن المخاوف الآن تحوم حول القطاع المصرفي من يشهد تضررا نتيجة احتمال أن يكون متعرض لمؤسسات وشركات في اليونان أو في منطقة اليورو بما يؤثر عليه بالسلب بسبب انخفاض اليورو أو عجز هذه المؤسسات عن السداد، وقد شاهدنا هذا من قبل في قطاع البنوك خلال الأزمة المالية العالمية والتي راح ضحيتها أكبر البنوك في الولايات المتحدة.

مخاوف أخرى

هناك مخاوف أخرى هي ليس لها علاقة بأزمة اليونان ولكن أردت أن أسردها هنا لما لها علاقة بالاقتصاد السعودي، حيث هبت رياح بوادر أزمة اقتصادية جديدة من شرق آسيا على معظم الأسواق المالية وخصوصا السوق السعودي الذي فقد على أثرها 416 نقطة في شهر مايو نتيجة انتشار المخاوف بشأن صادرات البتروكيماويات والنفط في المملكة بعد ورود أنباء تشير إلى قيام حرب بين الكوريتين وتأثير ذلك على العملة الصينية التي تعتبر من أكبر مستوردي النفط في العالم إلى جانب تأثر عملات باقي الدول الأسيوية المستوردة للنفط، فالمخاوف تكمن في تصاعد الأوضاع بين الكوريتين أو أن نشهد من خلالها حرب نووية قد تبيد الأخضر واليابس ليس الاقتصاد السعودي فقط ولكن قد تطال العالم أجمع ويكون تأثيرها أعنف من تأثير الحرب العالمية الثانية الذي تسبب في الكساد الأعظم في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر وذلك لتزامن هذه الأزمة مع أزمة اليونان التي قد تطيح بالاتحاد الأوروبي إلى استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد العالمي.

الاقتصاد الإماراتي

لا شك أن أوضاع الاقتصاد الإماراتي تختلف عن باقي الأسواق العربية وذلك بسبب الأحداث التي طرأت فيه خلال العام الماضي والعام الحالي، فمن المعلوم أن الاقتصاد الإماراتي على الرغم من متانته إلا أنه تأثر بشكل كبير من تداعيات الأزمة المالية العالمية والتي أضرت بشكل كبير بقطاع النفط والقطاع العقاري اللذان يعدان من القطاعات الرئيسية في الاقتصاد ليفقد أكثر من نصف قيمته، ولكن مع بدأ عودة التحسن مرة أخرى إلى القطاع اندلعت أزمة جديدة وهي أزمة ديون مجموعة دبي العالمية التي تعثرت عن سداد مستحقات المقرضين وحاملي السندات ليصل إجمالي ديونها إلى أكثر من 60 مليار دولار، وكادت هذه الأزمة أن تطيل الأسواق العربية والعالمية نتيجة تعرض بنوك عربية وعالمية لهذه الديون، إلا أن تدخل حكومة دبي وإمارة أبوظبي أنقذ الموقف حيث تم إعادة هيكلة المجموعة وجدولة الديون مع المقرضين في الوقت الذي دعمت إمارة أبوظبي المجموعة بخطة إنقاذ بقيمة 10 مليار دولار الأمر الذي ساعدها على الوقوف على بر الأمان، ولم يكد الاقتصاد الإماراتي يلتقط أنفاسه إلا وظهرت أزمة اليونان ليدخل في موجة صراع مرة أخرى من أجل إبقائه بعيد عن مخاطر وتداعيات هذه الأزمة، ونود هنا أيضا أن نسرد بعض الأراء الصادرة عن أشخاص مهمة في الاقتصاد الإماراتي.

في بيان أشار فيه السيد سلطان بن سويدي محافظ البنك المركزي الإماراتي في شهر مايو أن الاقتصاد الإماراتي يعد بمنأى عن خطر أزمة ديون اليونان موضحا بأنه لا توجد علاقة من حيث التدفقات المالية أو من حيث العلاقات الاقتصادية كما أن اليونان تعتبر بعيدة عن اليونان وأنها دولة مختلفة، وأما عن تأثير الأزمة على قطاع البنوك فقد أشار سويدي بأن قطاع البنوك يتمتع بمستوى عالي من رأس المال والاحتياطي وحتى لو وجد تعرض من بعض البنوك الإماراتية لديون اليونان فإنها سوف تكون شيء ضئيل، ومن جانب آخر فقد أشار المدير التنفيذي لمصرف الإمارات المركزي السيد سيف الشامس بأن البنك لا يواجه أي مخاطر من تقلبات اليورو وذلك لن محفظته بالدولار بنسبة 100%،

هذا وقد اختلفت الأراء أيضا حول تأثر الدرهم الإماراتي بالأزمة فانقسمت الآراء إلى جانبان سلبي وإيجابي أما الإيجابي فيتمثل في أن الدرهم قد لقى دعما إيجابيا من التراجع الكبير الذي شهده اليورو حيث ارتفع الدرهم مقابل اليورو بنسبة 7% في الفترة المؤخرة كما سجل الدرهم ارتفاعا أيضا بنسبة 5.4% أمام الجنيه الاسترليني، الأمر الذي أدى إلى تراجع تكلفة الواردات من المنطقة الأوروبية، أما عن الجانب السلبي فقد تمثل في تحرك مؤشر التضخم إلى الارتفاع نتيجة قوة الدولار، ولكنه مع الأداء الجيد الذي استطاع الاقتصاد الإماراتي أن يحققه في الربع الأول من العام الحالي فإن التوقعات تشير إلى الاقتصاد سوف يتجاوز أي تأثير سلبي بأسرع من التوقعات.

أما عن أداء أسواق المال الإماراتية فإنه مع نشوب الأزمة لم تظهر الأسواق المالية أي تفاعلا إيجابيا مع نتائج أعمال الشركات في الربع الأول من هذا العام والتي بدأت  منذ منتصف شهر إبريل الماضي في الوقت الذي تجاهل فيه المستثمرين الأداء الجيد للعديد من الشركات المدرجة في الأسواق وسط حالة من الحذر والترقب على قرارات المستثمرين والمضاربين واستمرار تراجع معدلات الثقة في الاستثمار والذي أدى إلى انخفاض قيم وأحجام التداولات في الأسواق وتركز التداول على أسهم شركات معينة، هذا وقد خيم اللون الأحمر على شاشات الأسعار في الأسواق المالية وأصبح هو المسيطر منذ بداية شهر أبريل الماضي وما زال مؤشر سوق دبي المالي ينخفض بنسبة 5% هذا العام في الوقت الذي يرتفع مؤشر سوق ابوظبي بنسبة 2%.

فيما وقد سيطرت حالة من الخوف والفزع على عقول المستثمرين بعد أن أصبحت لديهم القناعة التامة من أن التحسن في أداء اسواق الامارات وتحسن اقتصاد الدولة مرتبط بتحسن أداء الاقتصاد العالمي وتحسن مؤشرات أداء الأسواق العالمية، وذلك على الرغم من النمو الجيد للاقتصاد في الربع الأول من العام الحالي، في الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط بنسبة كبيرة في منتصف شهر مايو من 86.1 الى 75.1 دولار نتيجة انسحاب المؤسسات الاستثمارية تحت دواعي الحيطة والحذر والمخاوف من تراجع نمو الطلب في حالة تعثر الاقتصاد العالمي نتيجة تأثيرات أزمة ديون اليونان، فكل ذلك كان له تاثير واضح على أداء أسواق المنطقة باعتبار أن دخل النفط يعتبر مورد رئيسي لدول المنطقة ومصدر نفقاتها الاستثمارية والجارية كذلك التخوف من ارتفاع كبير في معدلات الفائدة على القروض من أسواق المال الدولية وارتفاع تكاليف التأمين على القروض إضافة إلى ارتفاع الفائدة على السندات الحكومية والتخوف من مشاكل تمتد إلى دول اوروبية ترى الأسواق العالمية ضعفا في ميزانيتها ومشكلات في مستويات المديونية لديها وفي مقدمتها البرتغال وأسبانيا وأيرلندا والتخوف من تعرض العديد من البنوك الالمانية والفرنسية التي قدمت قروض كبيرة إلى الحكومة اليونانية إلى الافلاس.

هذا وقد اتضح أن هناك علاقة ترابطية قوية ما بين المستثمرين والمضاربين في أسواق الامارات وحركة مؤشرات الأسواق العالمية وتطورات احتواء أزمة اليونان بالرغم من أن التراجع الكبير في سعر صرف اليورو مقابل الدولار أدى إلى تراجع مستوى التضخم في المنطقة باعتبار أن نسبة هامة من مستورداتها مصدرها دول الاتحاد الاوروبي وبالتالي نستطيع التاكيد على أن تطورات أزمة ديون اليونان وديون دبي العالمية سوف تبقى موضوع اهتمام المستثمرين خلال الفترة القصيرة القادمة والوصول إلى حلول سوف يساهم في التفات المستثمرين والمضاربين إلى أداء الشركات الإماراتية وأداء الاقتصاد الإماراتي إضافة إلى الأساسيات الاقتصادية والاستثمارية الأخرى ما لم يفاجىء العالم بانتكاسه أخرى تؤدي إلى استمرارية هشاشة الانتعاش الاقتصادي العالمي.

شارت يوضح أداء مؤشر سوق دبي مرورا بالأزمات المحلية والعالمية

شارت يوضح أداء مؤشر سوق أبوظبي مرورا بالأزمات المحلية والعالمية

 

خلاصة ما سبق نستخلص أن الوهم ما زال هو العامل الأول المحرك للاقتصاد وأسواق المال في الإمارات فحتى الآن لا توجد أي تأثيرات مباشرة على الاقتصاد الإماراتي، فبعد اتجاه أسواق المال والاقتصاد إلى التحسن بعد إعادة هيكلة ديون مجموعة دبي وبدأ تعافي القطاع العقاري عادت المخاوف مرة أخرى دون تمعين النظر في أداء القطاعات الأساسية وحجم الاستثمارات الداخلة إلى الدولة، ولكن التأثير الأوحد حتى الآن يكمن في تذبذب أسعار النفط في الفترة المؤخرة ولكنها ما زالت تعد طفيفة، كما أن اليونان ليست شريكا استراتيجيا لدولة الإمارات ولكن المخاوف تكمن في توسع هوة الأزمة لتنتقل إلى دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي الأمر الذي سوف يؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي العالمي مرة أخرى ومن ثم يتراجع الطلب على النفط فتتأثر ميزانية الإمارات لاعتمادها بشكل أساسي على عائدات النفط.

الاقتصاد الكويتي

بعد التحدث عن أثر أزمة اليونان على السعودية والإمارات ننتقل إلى معرفة مدى تأثر الاقتصاد الكويتي بأزمة الديون السيادية في الاتحاد الأوروبية، ومن المعلوم أن الاقتصاد الكويتي يعتبر من أكبر الاقتصاديات العربية في المنطقة كما أنه يتمتع بنظام مصرفي متين وعملة استطاعت أن تجابه التغيرات الخارجية وتقلبات أسعار الصرف العالمية، فعن تأثر الاقتصاد الكويتي بالأزمة فلا يوجد هناك أي تأثير يذكر حتى الآن سوى التذبذب الذي حدث لأسعار النفط من جراء الأزمة، في الوقت الذي سوف يشهد الاقتصاد تأثرا كبيرا إذا عجز الاتحاد الأوروبي عن حل هذه الأزمة وطالت العديد من دول الاتحاد الكبيرة كألمانيا والبرتغال وغيرها، الأمر الذي سوف يؤثر بالسلب على أسعار النفط مما قد يسبب تراجع في ميزانية الدولة وذلك لأن عائدات النفط تعد المصدر الرئيسي لتمويل ميزانية الدولة.

ومن جانب آخر فقد أشار رئيس الجمعية الكويتية للأسواق أنه يجب على الكويت الاستعداد التام لمواجهة أزمة الديون السيادية والتي ربما تستمر إلى 2012 من خلال تنفيذ الخطة التنموية الشاملة وتنفيذ الكثير من المشاريع التي تساعد على انتعاش الاقتصاد المحلي الذي لا زال متأثرا بأزمة الرهونات العقارية على الرغم من مرور أكثر من عامين على اندلاعها.

أما عن مدى تأثر سعر صرف الدينار الكويتي بتراجع اليورو فلا يوجد أي تأثير حتى الآن يذكر على سعر صرف الدينار وذلك بسبب النظام المصرفي الجيد الذي عمل على إيجاد آلية للتعامل مع الأزمات بشكل أكثر مرونة من ارتباطه بالدولار، حيث اعتمد النظام المصرفي على سلة من العملات لتسعير الدينار وليس الدولار وحده مما أعطى مجالا لتحرك الدينار صعودا وهبوطا، كما أن السلطة النقدية في الكويت قادرة على التحكم بأسعار الفائدة بحرية أكبر.

أما عن أداء الشركات الكويتية خلال الأزمة فلا يوجد أي تأثير مباشر حتى الآن باستثناء المخاوف التي غطت الأسواق شأنها شأن باقي الأسواق العربية الأخرى، فيما تكمن المخاوف حول إمكانية تأثر قطاع البنوك إذا أظهرت البيانات تعرضها لديون اليونان أو أي ديون في الاتحاد الأوروبي، هذا وقد تجاهلت الأسواق الأداء الجيد الذي حققته الشركات خلال الربع الأول من العام الحالي بسبب المخاوف والذي ظهر جليا على أداء سوق الكويت والتراجع الكبير في السيولة.

ننتقل إلى أداء بورصة الكويت فقد تأثرت بشكل كبير من تداعيات الأزمة التي ملأت قلوب المستثمرين بالمخاوف ليعزف المستثمرين عن دخول السوق حيث سجلت السيولة في النصف الأول من شهر مايو انخفاضا وصل إلى النصف، كما بلغ إجمالي خسائر سوق الكويت المالي خلال مايو حوالي 8% ليفقد جميع مكاسبه منذ بداية العام ليغلق إلى ما دون مستوى إغلاق عام 2009، هذا وقد تأثر سوق الكويت أيضا إلى جانب أزمة اليونان بغياب المحفزات الاقتصادية والتي ساهمت بشكل كبير في ارتفاع الخسائر.

 شارت يوضح أداء مؤشر سوق الكويت مرورا بالأزمات المحلية والعالمية

 العملة الخليجية الموحدة وضياع الحلم

منذ عدد من السنوات كانت تحلم دول مجلس التعاون الخليجي وكل مواطنيها أن تطلق عملة موحدة على غرار الاتحاد الأوروبي واليورو ولكن مع اندلاع أزمة الديون في الاتحاد الأوروبي عادت المخاوف إلى دول مجلس التعاون من أن تلقى العملة الموحدة نفس المصير الذي يعاني منه اليورو خلال هذه الفترة، واتجهت أراء دول المجلس إلى إلغاء المشروع أو على الأقل تأجيله في الوقت الحالي، في الوقت الذي أعلنت فيه الإمارات انسحابها من مشروع الوحدة النقدية الخليجية خوفا أن يتضرر اقتصادها في حالة حدوث مثل هذه الأزمة لإحدى أعضاء دول مجلس الاتحاد النقدي ليصبح مصير العملة كمصير اليورو الآن، ونريد هنا في هذه الجزئية أن نوضح الأهداف التي قامت عليها اتفاقية الاتحاد النقدي والمنافع التي كانت ستعود على دول الأعضاء وما هي أهم المعوقات التي واجهت إطلاق العملة.

في بادئ الأمر اتفقت ست دول من أعضاء مجلس التعاون الخليجي وهم السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين وسلطنة عمان على إنشاء تكامل اقتصادي ونظام مصرفي موحد من بنك مركزي خليجي وعملة موحدة على نفس نسق الاتحاد الأوروبي، لكن سلطنة عمان قد أعلنت في 2006 عدم انضمامها، وبعد ذلك أعلنت أيضا الإمارات انسحابها من الاتحاد النقدي معترضة على اختيار السعودية مقر للاتحاد والنظام المصرفي، وبعد ذلك عادت مرة أخرى، ومع نشوب أزمة اليورو والديون السيادية هناك أعلنت الإمارات أنها خارج الاتحاد النقدي خوفا منها على اقتصادها وعلى نظامها المالي، ونود أن ننوه هنا إلى أن الاقتصاد الإماراتي يعد ثاني أكبر اقتصاد في دول مجلس التعاون بعد السعودية حيث أنها تمثل ثقلا اقتصاديا كبيرا على المستوى الخليجي والعربي.

المعوقات التي واجهت إطلاق العملة الخليجية الموحدة

واجهت عملية الاتحاد النقدي وإطلاق عملة خليجية موحدة بين دول مجلس التعاون العديد من المعوقات أدت إلى تأجيل إطلاق العملة الموحدة لعدد من المرات وكان أهمها اختلاف الأعضاء فيما بينهم في تحديد مقر النظام المالي الموحد إلى جانب اختلاف النظم والتشريعات الاقتصادية والسياسات المالية في كل دولة أضف إلى ذلك اختلاف أسعار العملات فنجد الدينار الكويتي يعتبر الأعلى قيمة بين دول المجلس وفي الناحية الأخرى نجد الريال القطري الأقل قيمة بينهم ولكن مشكلة فروق الأسعار بين العملات لا تعتبر مشكلة في حد ذاتها طالما يوجد اتفاق بالسماح بحرية انتقال رؤوس الأموال بين دول الاتحاد ومن الممكن تثبيت سعر الصرف للتغلب على هذه القضية،

التضخم والدولار وتأثيرهما على إطلاق العملة

أشار العديد من الاقتصاديين إلى أن أهم الأسباب التي أدت إلى تأخر إطلاق العملة الموحدة هو الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها دول الخليج وتحديدا فيما يتعلق بمستويات التضخم المرتفعة والمتباينة وكان من شروط إطلاق العملة الموحدة أن يكون هناك تقارب بين مستويات التضخم إضافة إلى مستويات أسعار الفائدة ومستوى العجز في الناتج المحلي ومستوى الدين.

وعلق الخبراء على أنه فيما يتعلق بمستوى العجز ومستوى الدين لا يشكل إشكالية في الوقت الذي تمر فيها اقتصاديات الخليج بفوارق، إلا أن أكثر التحديات التي تواجه دول المنطقة في توحيد العملة أو السبب في تأجيلها هو مستويات التضخم المرتفعة والمتباينة بين الدول الست، مما حذا ببعض الدول إلى فك ارتباطها بالدولار وتوجهها إلى سلة عملات وموقف هذه الدول من العملة الموحدة.

وقد أكد الاقتصاديين على أن الوقت غير مناسب للدخول في توحيد العملة، وهو ما جعل احتمال تحقيقها في 2012 غير ممكن، لأنه لابد أن يكون هناك اتفاق من عموم الدول الاعضاء في مجلس التعاون، خاصة الدول التي فكت ارتباطها بالدولار، إذ تواجه في الفترة الحالية دول الخليج عملية ضغوط على عملاتها، وتحديدا العملة السعودية والعملة الإماراتية اللتين تواجهان ضغوطا كبيرة، وذلك كون عملتيهما أقل من قيمتيهما الحقيقيتين في مقابل الدولار والعملات الاخرى، الأمر الذي أوجد ضغوطا في أسواق العملات على هذه الدول.

الصادرات والواردات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون

طالما طالب دول مجلس التعاون الخليجي الاتحاد الأوروبي إلغاء أو تخفيض الضرائب على البتروكيماويات والألومنيوم الصادرة من الخليج وضرورة فتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الخليجية حيث يعتبر الاتحاد الأوروبي من الأسواق المهمة لدى دول الخليج خصوصا لتصدير البتروكيماويات، إلا ونجد الاتحاد الأوروبي ويتعلل دائما بأن دول الخليج لم تتوصل إلى تعريفة جمركية وعملة موحدة، في الوقت الذي دعت فيه الدول الأوروبية عام 2000 إلى توصل دول مجلس التعاون إلى عملة موحدة، حيث أن الاتحاد الأوروبي يرمي من وراء ذلك استخدام اليورو بدلا من الدولار في تعاملاتهم التجارية كما أن العملة الموحدة سوف تقلل من تكلفة واردات الاتحاد الأوروبي من دول الخليج والتي تمثل 20% من إجمالي الواردات.

الفوائد الناجمة في حال إطلاق العملة الموحدة

من الممكن رصد العديد من الفوائد في حالة إطلاق العملة الخليجية الموحدة منها:

  • تنمية المشاريع المستقبلية للدول الأعضاء
  • استقرار التبادل التجاري بين دول المجلس وبين العالم الخارجي حيث ستستفيد دول الخليج من قوة التفاوض الجماعي.
  • تعزيز القدرة التنافسية للسلع الخارجية في الأسواق الخارجية.
  • استقرار سعر صرف العملة الخليجية مما يشجع على خفض تكلفة الاستيراد.
  • تشجيع البنوك الخليجية على تطوير ورفع أدائها على أسس مصرفية عالية الدقة بما يزيد من ثقة الشعب الخليجي في قوة البنوك الأمر الذي يؤدي إلى يرفع حجم الودائع المحلية واستخدامها في تمويل المشاريع العملاقة.
  • العملة الموحدة سوف تؤدي إلى إلغاء مسألة تبديل العملة عند انتقال الأفراد بين الدول مما يعطي حرية أكبر في انتقال الأفراد مما يزيد من التجارة البينية والسياحة وتسهيل المعاملات المالية.
  • إلغاء الحواجز الجمركية بما يفتح الأبواب أمام المستثمرين لاغتنام الفرص الاستثمارية في دول المجلس.

تجميد مسار العملة الموحدة لدراسة الدروس المستفادة من الأزمة

في الرابع والعشرون من مايو 2010 اتفق وزراء خارجية دول مجلس التعاون خلال اجتماعهم في مدينة جدة على تجميد مسار الوحدة النقدية بعد ظهور أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو وقد صرح وزير الخارجية الكويتي قائلا بأنه أمر غير مسئول أن يمضي أعضاء مجلس التعاون الخليجي في إطلاق العملة الموحدة من دون دراسة تداعيات مشاكل الوحدة النقدية الأوروبية، وأنه يجب علينا الآن أن نتوقف مؤقتا أي لا أعني التأجيل بل أخذ مزيدا من الوقت للتفكير.

الدروس المستفادة من أزمة الديون السيادية في الاتحاد الأوروبي

استخلصت العديد من الدروس من أزمة الاتحاد الأوروبي الحالية والذي من الواجب على دول الخليج دراستها بشكل دقيق قبل إطلاق العملة الموحدة والذي بات الفشل يحوم حول إطلاقها، وفيما يلي أهم الدروس التي خلفتها أزمة الاتحاد النقدي الأوروبي.

1. ينبغي أن تؤخذ شروط إنشاء عملة موحدة بالجدية الكافية، حيث أن النوايا الحسنة ليست ضمانا كافيا للاستقرار الاتحاد النقدي، حيث أنه في حالة عدم استيفاء الشروط فإن المخاطر سوف تؤدي إلى انهيار العملة الموحدة ويتكبد دول الاتحاد خسائر عالية جدا.

2. لابد لدول الاتحاد النقدي أن تشترك في نفس الدورات الاقتصادية حتى يسهل اتباع سياسة نقدية موحدة بما يساعد تحقيق الاستقرار الاقتصادي اللازم في كل دول الاتحاد، وتوفير آليات تساعدها على سهولة امتصاص الصدمات الاقتصادية، مثل مرونة تحديد الأسعار والأجور وسهول انتقال عناصر الإنتاج بين الدول الأعضاء، إلى جانب توفير نظم تسمح بإجراء تحويلات مالية بين الدول الأعضاء لمساعدتها في مواجهة أية أزمات في السيولة المتاحة لها، حيث أن اليونان لم تكن تشترك مع باقي دول أوروبا في دورة الأعمال، وذلك لأن اليونان تواجه حالة كساد بينما تستعد باقي الدول لاستعادة النشاط الاقتصادي فيها، كما أنها لا تمتلك آليات لامتصاص الصدمات لكي تعيد التوزان الاقتصادي المتدهور، فكان نتيجة ذلك أنها وضع الاتحاد الأوروبي في مهب الريح.

3. يجب على دول الاتحاد النقدي أن تتابع عمليات التنافس الخارجي وذلك لأن ارتفاع الأسعار في إحدى الدول الأعضاء سوف يؤدي إلى ارتفاع تكلفة سلعها بالنسبة للخارج، ومن ثم سوف تتراجع صادرات الدولة واحتمال حدوث عجز في ميزان المدفوعات لتراجع إيرادات النقد الأجنبي، وهو ما تقع فيه اليونان الآن وأن عليها لتفادي مثل هذه المشكلة أن تقوم إما بتخفيض الأجور أو تخفض قيمة عملتها المحلية، إذن فالمشكلة أمام اليونان حاليا لها وجهان:

الأول: يرجع إلى ضعف مرونة عملية تحديد الأجور بها بما يضمن خفض الأجور في ظل تراجع التنافسية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار السلع اليونانية بشكل فاق أسعار سلع باقي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تراجع منافستها بشكل أكبر مما كانت عليه،

الثاني: هو أن معدل الصرف بالنسبة لها يعتبر ثابتا باعتبارها عضو في اتحاد نقدي، ذلك أن الوحيد الذي يمكنه أن يتخذ السياسات التي تؤثر على معدل صرف اليورو هو البنك المركزي الأوروبي، ومن ثم لم تتمكن اليونان من أن تلجأ إلى تخفيض قيمة العملة التي تتعامل بها كسبيل لزيادة تنافسيتها. هذا الوضع الحرج ترك اليونان أمام خيارين، إما ان تغرق في الكساد، أو أن تترك العملة الموحدة وتعود لعملتها الوطنية السابقة (الدراخمة)، كي تتمكن من رفع تنافسيتها من خلال تخفيض قيمة عملتها الوطنية وزيادة قدرتها على توفير إيرادات بالنقد الأجنبي تمكنها من سداد التزاماتها. ولكن في كلا الحالتين فإن ذلك يعد فشلا للاتحاد النقدي الأوروبي وعلى دول مجلس التعاون الخليجي تفادي هذه المشاكل.

4. من المعلوم أن البنك المركزي في الاتحاد النقدي هو المسئول عن تثبيت مستويات الطلب الكلي عن طريق المزيد من التوسع النقدي في أوقات الأزمات وذلك لتحفيز مستويات النشاط الاقتصادي في الاتحاد ولكن البنك المركزي الأوروبي لم يقم بتحقيق الاستقرار في منطقة اليورو، حيث شاهدنا تراجع معدلات النمو الاقتصادي في منطقة اليورو في الوقت الذي لم يتدخل فيه لإيقاف هذا التراجع، وذلك نظرا لتشدد السياسة النقدية والتي كان الغرض منها استمرار ارتفاع اليورو مقابل العملات الأخرى وخصوصا الدولار، ولكن مع اشتعال أزمة الديون في اليونان تكبد اليورو خسائر كبيرة وتدهور النظام المالي في الاتحاد الأوروبي.

5. لابد من إعطاء الأولوليات لتعزيز الآليات التي تمنع السياسات الداعمة للتقلبات المالية على مستوى دول الاتحاد النقدي، وذلك من خلال وضع نظام دقيق لمراقبة الأوضاع المالية في الدول الأعضاء، إلى جانب تعزيز مصداقية وشفافية القواعد المحاسبية التي يتم من خلالها تحديد عجز الميزانيات العامة للدول الأعضاء، إلى جانب نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، كما أنه لابد من رصد نمو الأصول المالية في الدول الأعضاء حتى لا يتسبب انفجارها في حدوث ركود اقتصاديات دول الاتحاد، وما رأيناه في اليونان أن الديون قد بلغت 114% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت العديد من دول الاتحاد على وشك تلقى مصير الإفلاس مثل اليونان.

6. لابد من إنشاء نظام مالي مركزي يسمح بتوفير التحويلات المالية بشكل سريع للدول التي تعاني من أزمات سيولة مؤقتة حتى تتجنب تفاقم الأوضاع المالية، وهذا ما قد شاهدناه في منطقة اليورو من خلال تصريحات فرنسا وألمانيا وامتناعهم في بادئ الأمر عن المساهمة في إنقاذ اليونان بزعمهم أنهم بمنأى عن الأزمة وبعد ذلك أنهم اكتشفوا سوف يواجهوا نفس مصير اليونان إذا لم يتم إنقاذها.

7. قبل إنشاء اتحاد نقدي لابد أولا من وجود تعاون سياسي وتضامن أوسع بين حكومات دول الاتحاد النقدي على مختلف الظروف.

8. أظهرت أزمة اليونان أن منطقة اليورو لا تزال عرضة للأزمات ويجب على دول الاتحاد خصوصا التي تربط عملتها باليورو الحذر عند تنويع الاحتياطات والاستثمارات.

9. أضفت الأزمة مزيدا من المصداقية على دعوى سلطنة عمان التي اقترحت أن يقترن توحيد العملة بنظام مالي يساعد على انضمام الدول ذات الاقتصاد المحدود.

من هذه الدروس يجب على دول مجلس التعاون الخليجي دراستها بدقة عالية ولابد من استناد النظام المالي على حقائق وليس أماني وضمانات شفهية، حتى تتجنب دول المجلس الخسائر الفادحة التي من الممكن أن يخلفها انهيار العملة الموحدة، حيث أن اقتصاد منطقة اليورو على الرغم من متانة اقتصادها فإن قد عجزت عن إيجاد الاستقرار للعملة الموحدة في أوقات الأزمات، فما بالنا باقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي التي تتقلب أوضاعها المالية بتقلب أسعار النفط.

حلول مستخلصة من أزمة منطقة اليورو

من خلال الأزمة وآثارها ومدى الارتباك الذي أوجدته في منطقة اليورو وتهديدها لانهيار نظام مالي كامل فإننا قد استخلصنا بعض الحلول من الممكن أن يستخدمها دول مجلس التعاون في الأزمات المشابهة وهي:

  • وضع دراسات وترتيبات مالية مدروسة بدقة تعمل على حل مثل هذه الأزمات في حال حدوثها.
  • إنشاء صندوق مشترك بين دول الاتحاد يتم اللجوء إليه في حالات الضرورة.
  • إنشاء اتفاقية مشتركة للاقتراض بين الدول الأعضاء.
  • توفير مبالغ مالية إضافية كاحتياطي لدى البنك المركزي لمثل هذه الأغراض.
  • إنشاء رقابة صارمة على تعاملات البنوك من خلال وضع قواعد عامة للرقابة الوقائية على المؤسسات المالية.
  • إنشاء بورصة أوراق مالية يتم فيها تداول أسهم الدول الأعضاء مع الالتزام بالشفافية في المعاملات المالية.

الاقتصاد المصري

مني الاقتصاد المصري بخسائر كبيرة جراء تداعيات الأزمة المالية العالمية والتي أفقدته أكثر من 20 مليار دولار بعدما تضررت مصادر الدخل الرئيسي للاقتصاد مثل الصادرات ودخل قناة السويس وقطاع البترول إلى جانب تراجع تحويلات المصريين بالخارج، ومع انقشاع بعض أثار هذه الأزمة والتي لم يكد الاقتصاد المصري أن ينتهي من ترتيب أوضاعه، حتى أطلت أزمة اليونان برأسها على الاقتصاد المصري والتي ظهرت أثارها واضحة على أداء البورصة، هذا وقد أصبح الحديث عن الأزمة الأوروبية هو الشغل الشاغل للمهتمين بالاقتصاد أو بأسواق الأسهم في الفترة الحالية في الوقت الذي هونت الحكومة المصرية بخطورة الوضع في حالة تفاقم الأزمة كما فعلت حيال الأزمة المالية العالمية حتى طالت الاقتصاد والبورصة، في حين أشار رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة أنه لا يوجد أي تأثير على الاقتصاد المصري من أزمة اليونان كما أن التعاون بين مصر واليونان سوف يظل ساريا وفقا لاتفاق الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي.

انتشر التخبط في مصر بسبب هذه الأزمة فالبعض يرى أن تأثير الأزمة ضعيف والبعض الآخر يرى أن القطاعات التي طحنتها الأزمة المالية العالمية سوف تجهز على بقيتها أزمة اليونان، في حين يرى آخرون أن الأزمة الأوروبية أثرت فقط على أسواق الأسهم فقط.

تضرر مصادر الدخل القومي

من المعلوم أن قطاع السياحية يشكل للدخل القومي المصري ركنا أساسيا كما أن السوق الأوروبية تعتبر من أكبر الأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر ومع انخفاض اليورو مقابل الجنيه المصري تراجعت حركة السياحة الأوروبية لمصر الأمر الذي سوف يؤثر في النهاية على ميزانية الدولة.

قناة السويس

تعتبر قناة السويس من أهم موارد مصر وكما شاهدنا الانخفاض الكبير في إيراداتها بسبب الأزمة المالية العالمية فمن المتوقع أن تواصل إيرادات القناة في تراجعها مع تفاقم أزمة الاتحاد الأوروبي والتي سوف تؤثر بالسلب على حركة الصادرات والواردات بين الدول.

الصادرات

يعتبر انخفاض اليورو له جانبان إيجابي وسلبي فالجانب الإيجابي يكمن في انخفاض تكلفة الواردات المصرية من دول الاتحاد الأوروبي الأمر الذي سوف يساعد على انخفاض معدلات التضخم في السوق المصري، ولكن الجانب السلبي يكمن في انخفاض عائدات الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأوروبي نتيجة انخفاض اليورو الأمر الذي يؤدي إلى حدوث عجز في الميزان التجاري.

 أداء البورصة

مع انتشار المخاوف في البورصة المصرية بسبب هذه الأزمة منيت البورصة المصرية خلال شهر مايو بخسائر بلغت 55 مليار جنيه، كما تراجع المؤشر الرئيسي للبورصة بنسبة 12.1% خلال شهر مايو وفقد مؤشر EGX70  حوالي 21.1%، أما عن مؤشر EGX100 فقد خسر 17.5%، فيما تواصل البورصة المصرية خسائرها خلال شهر يونيو ليتراجع المؤشر الرئيسي إلى 6300 نقطة، في الوقت الذي انخفضت السيولة إلى أقل من نصف مليار جنيه.

شارت يوضح أداء البورصة المصرية مرورا بالأحداث والتغيرات المحلية والعالمية

 

روابط ذات صلة
الأكثر قراءة
ملاحظة: محتويات الموقع قد تكون عرضة للأخطاء، تغييرات أو تحديثات، و مجرد استعمالك للموقع يعني انك قرأت و قبلت  حماية الخصوصية

.توضيح المخاطر: المعلومات الواردة في هذا الموقع الإلكتروني هي للإطلاع فقط. ولا تعني حث المطلع عليها للإتجار بأي عملة أو أسهم او سندات أو معادن أو أي ورقة مالية

.حيث تعكس المعلومات في هذا الموقع رأي الكاتب نفسه و الذي من المفترض أن تكون دقيقة و لكنها لا تعتبر مضمونة أو دقيقة، ونحن لا نعد ولا نضمن بأن تبني اي من الإستراتيجيات المشار إليها سوف يفضي الى أرباح تجارية

وبالتالي فإن icn.com وموظفوها والشركات التابعة لها ليسو مسؤولين بأي شكل من الأشكال عن أية خسائر قد تنتج من الأخذ بالمعلومات الواردة فيه.
2012 ICN.COM All Rights Reserved.